الشنقيطي

19

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

المخالف لنا في هذه المسألة كابن جرير ، وابن إسحاق ، والسهيلي - رحمهم اللّه - وغيرهم : قد دلت آيات أخر على أن نائب الفاعل ضمير النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهي الآيات المصرحة بوقوع القتل على بعض الأنبياء كقوله : فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ( 87 ) [ البقرة : 87 ] ونحوها من الآيات ، وهي تبين أن القتل في محل النزاع واقع على النبي صلّى اللّه عليه وسلم فنقول : يجب تقديم بياننا على بيانكم من ثلاثة أوجه : الأول : أن الآيات المصرحة بقتل الكفار بعض الرسل التي هي دليل بيانكم ، أعم من محل النزاع : لأن النزاع في قتل الرسل في ميدان الحرب خاصة دون غيره ، والآيات التي دلت على قتل بعض الرسل ليست واحدة منها في خصوص القتال البتة ، والبيان لا يكون بالأعم ؛ لأن الدليل على الأعم ليس دليلا على الأخص ؛ لإطباق العقلاء كافة على أن وجود الأعم لا يقتضي وجود الأخص ؛ فمطلق قتل الرسول لا يدل على كونه في جهاد ، لأنه أعم من كونه في جهاد أو غيره كما هو واضح ، بخلاف البيان الذي ذكرنا بقوله : لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] ونحوها ، فإنه في محل النزاع ؛ لأنه يصرح بأن الرسل غالبون ، وهو نص في أن الرسول المقاتل غير مقتول ، لأن المقتول غير غالب كما بينه بقوله : فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ [ النساء : 74 ] كما تقدم ، ومعلوم أنه لا يعارض خاص في محل النزاع بأعم منه . الوجه الثاني : أن البيان الذي ذكرنا تتفق به آيات القرآن العظيم على أفصح الأساليب العربية ولم يقع بينها تصادم البتة ، وما ذكره المخالف يؤدي إلى تناقضها ومصادمة بعضها لبعض ، لأن الرسول الذي لم يؤمر بجهاد إذا قتل لم يكن في ذلك إشكال ولا مناقضة لقوله : لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي لأنه لم يؤمر بالمغالبة ، فلا يصدق عليه أنه مغلوب ولا غالب لعدم وجود المغالبة من أصلها في حقه ؛ لأنها إن عدمت من أصلها فلا يقال غالب ولا مغلوب ، لأن الغلبة صفة إضافية لا تقوم إلا بين متغالبين ، بخلاف قتل الرسول المأمور بالمغالبة في الجهاد ، فإنه مناقض لقوله : لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ، واللّه يقول فيما وعد به رسله : وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 ) [ الأنعام : 34 ] . الثالث : أن جميع الآيات الدالة على قتل بعض الرسل المستدل بها على صورة النزاع كلها واردة في قتل الرسل في غير جهاد ، كقتل بني إسرائيل أنبياءهم ظلما في غير قتال ، وسترى إن شاء اللّه تعالى تحقيق هذا المبحث في آل عمران والصافات والمجادلة ، وربما كان في الآية الكريمة أقوال كلها حق وكل واحد منها يشهد له قرآن ، فإنا نذكرها ونذكر القرآن الدال عليها من غير تعريض لترجيح بعضها ؛ لأن كل واحد منها صحيح ، ومثاله قوله تعالى في أول الأنعام : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [ الأنعام : 3 ] الآية - فإن فيه للعلماء ثلاثة أقوال :